محمد جواد مغنية

403

في ظلال نهج البلاغة

( وظلف الزهد شهواته ) . زهد في الدنيا فاستهان بها ، وألجم نفسه عما يغضب خالقه ، وقادها إلى مرضاته ( وأوجف الذكر بلسانه ) . أسرع لسانه إلى الصدق والذكر ، لا إلى الكذب والكفر ( وقدّم الخوف لامانه ) . عمل في دنياه لآخرته ليكون في سلام وأمان من آلامها وسهامها ( وتنكب المخالج عن وضح الطريق ) . عدل عما يبعده عن السبيل الواضح إلى اللَّه وثوابه ( وسلك أقصد المسالك ) أي أقومها ( إلى النهج المطلوب ) للَّه تعالى ( ولم تفتله ) أي ترده وتقصده ( فاتلات الغرور ) . وهي التي تغري بالرذيلة ، وتصد عن الفضيلة ( ولم تعم عليه مشتبهات الأمور ) . لأنه لا يقول ولا يفعل حتى يكون على بينة من ربه . ( ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النعمى ) . المراد بالبشرى ما أشارت اليه الآية 25 من سورة البقرة : * ( وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * . اما الفرحة فعند دخول هذه الجنة ( في أنعم نومه ، وآمن يومه ) . كناية عن متعة الروح ، وراحة البدن ، وبهما غنى عن الحرام ولذته ( وقد عبر معبر العاجلة حميدا ، وقدّم زاد الآجلة سعيدا ) . خرج من الدنيا طاهرا نقيا ، وورد الآخرة راضيا مرضيا بما قدم لها من صالح الأعمال ، ومحامد الأفعال ( وبادر من وجل ) . أسرع إلى مرضاة اللَّه خوفا من غضبه ( واكمش في مهل ) . انتهز الفرصة أيام حياته وعمل للجنة عملها ، قال الإمام : اعملوا والألسنة مطلقة ، والأبدان صحيحة قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت . ( ورغب في طلب ) الحق ( وذهب عن هرب ) أي ابتعد عما يجب الابتعاد عنه خوفا من اللَّه ( وراقب في يومه غده ) . عمل في دنياه لآخرته ( ونظر قدما أمامه ) مضى في سبيل الخير لا يلوي على شيء ( وكفى بالجنة ثوابا ونوالا ، وكفى بالنار عقابا وبالا ) . لأن كل نعيم دون الجنة فهو محقور ، وكل بلاء دون النار عافية كما قال الإمام ( وكفى باللَّه منتقما ) من أهل الشر والفساد ( ونصيرا ) لأهل الخير والصلاح ( وكفى بالقرآن حجيجا وخصيما ) . القرآن برهان قاطع ، وحجة دامغة لمن حاجّ به وخاصم . ( أوصيكم بتقوى اللَّه الذي أعذر بما أنذر ) في كتابه المنزل ، وبلسان نبيه المرسل ( واحتج بما نهج ) أي بما بيّن وأوضح من طرق الخير والهداية ( وحذركم عدوا نفذ في الصدور خفيا ) كالوسوسة ، قال تعالى : * ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي